ابن عجيبة
563
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم حذّر منه فقال : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً واضحا ؛ حيث ضيع رأس ماله ، وأبدل بمكانه من الجنة مكانه من النار . يَعِدُهُمْ أي : الشيطان ، أمورا لا تنجز لهم ، وَيُمَنِّيهِمْ أماني لا تعطى لهم ، وَما يَعِدُهُمُ أي : الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر ، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة ، إلى غير ذلك من أنواع الغرور ، أُولئِكَ المغرورون مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي : هي منزلهم ومقامهم ، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي : مهربا ولا معدلا . من حاص يحيص : إذا عدل . الإشارة : ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا ، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا ، إن كنت تحب نفسك ، وتؤثر هواها على حق مولاها ، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة « 1 » أو البهيمة ، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها ، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان ، وفي الحكم : « إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده » . فاشتغل بمحبة الحبيب ، يكفيك عداوة العدو ، فاتخذ الله وليا وصاحبا ، ودع الشيطان جانبا ، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان . وبالله التوفيق . ثم ذكر ضد أهل الشرك ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 122 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 ) قلت : ( وعد الله ) مصدر ، مؤكد لنفسه ، أي : وعدهم وعدا ، و ( حقا ) مؤكد لغيره ، أي : لمضمون الجملة قبله . انظر البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله ووحدوه ، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ التي كلفوا بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وعدهم بذلك وعدا حقا ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي : لا أحد أصدق من الله في قوله . والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه ، بوعد الله الصادق لأوليائه ، ترغيبا في تحصيل أسبابه . والله تعالى أعلم .
--> ( 1 ) الخميصة : ثوب خز ، أو صوف .